News

رسائل من الطريق: آشلي جود، سفيرة صندوق الأمم المتحدة للسكان للنوايا الحسنة تصف زيارتها للاجئين في الأردن

21 أبريل/نيسان 2016
آشلي تساعد في عمل التبولة أثناء زيارتها لمخيم الزعتري للاجئين في الأردن
آشلي تساعد في عمل التبولة أثناء زيارتها لمخيم الزعتري للاجئين في الأردن. © صندوق الأمم المتحدة للسكان بالأردن/محمد أبو غوش

21 أبريل/نيسان 2016

في أبريل/نيسان، سافرت الكاتبة والممثلة والناشطة بمجال المساعدات الإنسانية  آشلي جود إلى الأردن في أول مهامها كسفيرة للنوايا الحسنة لصندوق الأمم المتحدة للسكان. خلال رحلتها التي استمرت أسبوعين، زارت آشلي جود العيادات والبرامج  التى يدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان للخدمة السيدات والفتيات، بما في ذلك اللاجئات  الفارات  من العنف في جميع أنحاء سوريا. كما التقت بكبار الشخصيات الدولية رفيعة المستوى،  مثل أليس جورج ويلز، السفيرة الأمريكية  في الأردن، والأميرة بسمة بنت طلال  في السطور التالية نعرض مقتطفات من يوميات آشلي جود  التى كتبتها والمصورة بالفيديو خلال مهمتها في الأردن.

 

الأردن بلد فاتن. بينما أطل من النافذة أثناء الهبوط، رأيت الصحراء ممتدة على مد بصري، تضاريسها مميزة بتجمعات من التلال المنخفضة المكسوة بالرمال، مثل البشرة.

 

 

2أبريل/نيسان 2016

يستضيف الأردن حالياً أكثر من 635 ألف لاجئ من سوريا . تتزايد معدلات الوفاة بعد الولادة  بصورة كبيرة أثناء أزمات اللجوء والأزمات الإنسانية الأخرى، لكن رغم هذه المخاطر، وصلت إلى عالمنا المولودة رقم خمسة آلاف بأمان في العيادة التى يدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان بمخيم الزعتري. واسمها ريما. التقيت والديها الشابين، كنت أتساءل عن الطريقة التي يمكن أن أشكر بها الأردنيين لقبولهم اللاجئين، لذا حاولت أن أفعل ذلك اليوم. لقد كان هذا استثنائيا. وهو  ما سأواصل القيام به.  لقد كان اللقاء قصيرا، وردودهن مقتضبة، بل تكاد تكون صامتة، إلا أن الشعور بالعرفان موجود بين السطور وتبلغ أعمارهما 20 و21 عاماً، والذين أسمياها على اسم الطبيبة التي أجرت لها الولادة.

 

 في هذا الفيديو، تزور آشلي متجراً صغيراً في قطاع التسوق بمخيم الزعتري المعروف باسم شارع الشانزليزيه. © صندوق الأمم   المتحدة للسكان

 

5 أبريل/نيسان 2016

في المركز الصحي الشامل للنساء فى الزرقاء، أخبرتني العاملات في المجال الصحي بقصة إحدى المريضات اللاجئات. أستمعت وعينانى مغمضتان وأنا أرسم فى خيالى صورة  تلك المرأة  التي أستطاعت أن تكون هنا، في هذا المكان الآمن، على الأقل لبعض الوقت، لتتلقى رعاية الصحة الجنسية والإنجابية، وتحكي قصتها.

 

 

زوجها، الذي ليس مسموحاً له بالعمل في الأردن، يائس، ومكتئب، وغاضب. يفرغ فيها غضبه، يضربها.

كانت "عروسا"  فى سن مبكر  ، ولم يكن لديها حقوق.  قام الزواج على أساس ديني وليس مدني ، وبالتالي فهو لا يعتبر قانونيا أو غير قانوني. والآن صارت مطلقة، فأصبح وضعها أسوأ.

بعد ذلك، التقيت بعايدة، التي تستخدم اسماً مستعاراً حفظاً لسلامتها. وروت لي الآتي:

 

" كنت أعمل كممرضة في سوريا حيث كنت أعمل في مستشفى في المنطقة الشرقية من دمشق. كنت قد انتهيت لتوي من عملي في وردية الليل عندما وقع الهجوم في 21 أغسطس/آب، 2013. قالت التقارير الإخبارية إنه تم إطلاق صواريخ غاز. ناداني ابني، لم يكن بإمكانه 
الرؤية. لاحظت وجود رائحة خفيفة ثم رأيت عينا ابني وقد صارتا بيضاء. هرعت به إلى المستشفى."
 
 

هناك، وجدت عايدة المئات من الضحايا  فتطوعت للمساعدة. قالت: "في ذلك اليوم، أعددت جثث الأطفال ليتم دفنها." فرت عايدة وأسرتها من سوريا. ثم بدأت في حضور جلسات العلاج بالفن والدراما  فى مركز المرج  للمرأة. وأضافت قائلة : "يجب أن أكون قوية، إنها الطريقة الوحيدة لمساعدة  أولادي."  فيما بعد ، أصبحت عايدة متطوعة في برنامج التوعية الذى يقدمه صندوق الأمم المتحدة للسكان فى المركز حيث تتعرف على  النساء اللاتي يمكن أن يستفدن من الخدمات الطبية والنفسية والاجتماعية المقدمة هناك.

في المساء، حول طاولة واسعة، لامعة، في عَمان، تجلس عشر نساء وأنا معهن لنتشارك قصصنا، نتحدث عن أنفسنا. ليس ثمة فارق بيننا، حقاً.

نسعى لبناء الثقة والصداقة بيننا. نحن بحاجة إلى أن نُسمع ونُشاهد. نتشارك قصص كفاحنا  فى ظل العزلة وعدم الثقة بالنفس.

 

 

6 أبريل/نيسان 2016

اليوم أزور مجموعة  لمكافحة  عُنف الأزواج في الاتحاد الأردني للنساء الذى  يدعمه صندوق الأمم المتحدة للسكان. العنف القائم على أساس النوع  أمر شائع ،  فمن خلال المجموعة أستمع إلى نفس الروايات التي ندرسها ونتناولها ونستوضحها في الولايات المتحدة. فعادة ما يبدأ الأمر بالتحكم: يتحكم الزوج في مسألة إلى أين تذهب، ومن الذين تقابلهم ، إذا كانت يمكن أن تعمل.. وشؤونها المادية ، ومكالماتها الهاتفية. كل امرأة في المجموعة تحكي نفس الرواية. كل.. واحدة.. منهنّ.

إحدى الأمهات تنقل قصتها بانفعال، تبكي، بينما تدمع أعين سيدات أخريات في الغرفة. لاحقاً، تحدثت مجدداً، وشرحت أن سيدة صغيرة تجلس لقد زوجتها عندما بلغت 17 عاماً (16 عاما هو السن القانوني للزواج في سوريا)، على الفور بدأ زوجها في ضربها. ثم تحكي الابنة الرواية بجسدها، بإيماءات أو بعينيها الباكية أو برأسها وهي مطأطأة إلى صدرها، أو، أخيراً، بنظرتها  التي بدأت تمتلئ بالأمل قائلة : "زوجي، يضربني، وكذلك تفعل عائلته.. حماتي، كانت تصرخ في وجهي قائلة، لا تنظري في وجهي. يجب أن تنظري إلى قدمي. لا ترفعي رأسك." على مسافة ثلاثة مقاعد منها هي ابنتها.

عندما انتهت من روايتها، قلت لها "أنا أحب أن تنظري إلى عيني." التمعت عيناها. 
قلت لها  "فهكذا أراكِ،"  مبادلة إياها الابتسام. 

أنا أراكِ.

بعد انتهاء الجلسة الجماعية، التقيت امرأة جالسة في الوسط، وجهها متورم بشكل فادح، وأخبروني بأن الشرطة أحضرتها هنا بالأمس، أنقذتها، على ما يبدو، من جحيم لا يصدق.
تركت المركز كى أتوجه لتناول غداء تم إعداده من قبل ناجيات من العنف القائم على  النوع ، اللاتي يقمن بإعداد 200 وجبة ويقمن ببيعها يومياً. المقهى الرائع هو واحد من مشروعين مدرين للربح في اتحاد النساء الأردني. 
بعد الوجبة اللذيذة، أعود لزيارة امرأة أنقذت مؤخراً، و هى تعاني حالياً من الصعوبة في تحريك عينيها، فيما يبدو تعكف على أعمال تسجيل البيانات ومراقبة الغرفة.
 
آشلي تقضي وقتها مع عائلة سورية تعيش في خيمة في دير علا بوادي الأردن. الأم هي نزيلة لدى عيادة الصحة الإنجابية التى يدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان بالأردن. © صندوق الأمم المتحدة للسكان/الأردن/محمد أبو غوش.
آشلي تقضي وقتها مع عائلة سورية تعيش في خيمة في دير علا بوادي الأردن. الأم هي نزيلة لدى عيادة الصحة الإنجابية التى يدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان بالأردن. © صندوق الأمم المتحدة للسكان/الأردن/محمد أبو غوش.

 

11 أبريل/نيسان 2016

التجربة الأكثر إذهالاً  خلال إحتكاكى مع اللاجئين السوريين في الأردن ليس ضخامة معاناتهم، أو القصص المتكررة لما يقرب من 635,324 شخص تحت الحصار، والقصف، والفوضى، ونزوح الأسر، والإصابات، والإرهاب، واختطاف متطرفين لدينهم، والهروب. وليس مئات الطرق التي يتم بها معالجة قضية اللاجئين والمخيمات أوالمجتمعات الضيقة.

أكقر ما أثر في نفسي هو الحب الذي غمروني به جميعاً  كل الوقت ، بعذوبة وبلا انقطاع.

اليوم، حضرت عرضاً مسرحياً يؤديه المشرفون بمركز  كويست سكوب للشباب الذي يدعمه صندوق الأمم المتحدة للسكان. وقد كان عرضاً رائعاً. 

بدأ العرض بقصة إبنة منكوبة تؤدي أعمالا منزلية. عندما يستيقظ والديها ويتوجهان للمطبخ، يبدو واضحاً التوقعات: يجلسون، يستمتعون بالقهوة، الأب يقرأ، الأم تؤدي ما يطلبه الأب، الابنة تعمل وتختفي.

ثم يستيقظ الأولاد. يتحول الأب، فجأة يبدو أطول، فخوراً بهم. يأخذون منه النقود بسهولة، حتى  أن أحد أبناءه يسحب بجرأة بعض المال من محفظته.
 
هذا هو الموضوع باختصار. العنف ضد المرأة القائم على النوع  في شكل تفضيل الابن الذكر وهو نظام قائم في جميع أنحاء العالم بدءاً من  تخصيص موارد مالية للأولاد ومنعها عن الفتيات  إلى تحديد جنس المولود قبل الولادة وموت الفتيات الرضع نتيجة الإهمال. لقد ساهم تفضيل 
الأبناء الذكور في  فقدان 117 مليون امرأة في آسيا وحدها.

كما تتعرض الفتيات الناجيات إلى  الإعتداء الجنسي، وزواج الأطفال، ونقص التعليم، والختان، وغيرها من الممارسات.

مع اقتراب المسرحية من نهاية دراماتيكية، يتبين كيف  يجبر هذا التقسيم على أساس الجنس والعنف ضد المرأة في الأسرة كل فرد من أفراد الأسرة على العيش في عزلة مؤلمة.
 
وقفت وصفقت لهم بحرارة.

 

بعد مشاهدة عرضهم حول عدم المساواة القائم على أساس النوع، تبدي آشلي ردود فعلها وتقدم بعض النصائح التمثيلية للمشرفين في مركز كويست سكوب للشباب. © صندوق الأمم المتحدة للسكان، الأردن/محمد أبو غوش.
بعد مشاهدة عرضهم حول عدم المساواة القائم على أساس النوع، تبدي آشلي ردود فعلها وتقدم بعض النصائح التمثيلية للمشرفين في مركز كويست سكوب للشباب. © صندوق الأمم المتحدة للسكان، الأردن/محمد أبو غوش.

 

 
14 أبريل/نيسان 2016

أُقيم مخيم الأزرق، وهو مخيم للاجئين،  في مكانٍ نائي. إنه مساحة فارغة من الأرض القاحلة ممتدة عبر مساحات مترامية تحت سماء زرقاء

واطئة. كان محاطاً بسور من السلك تتخلله في بعض الأماكن الأسلاك الشائكة. صف وراء صف وراء صف من الأكواخ الصفيح الصغيرة

البيضاء، كما الذرة في حقل بولاية إيوا في الصيف. بعض الأسر وضعت قطعاً من الخيام بين أكواخها لكسر الرياح.

في قسم الولادة بالأزرق تتواجد ثلاث أمهات قد وضعن أطفالهن لتوهن اليوم، اثنين منهن ولادة طبيعية وواحدة قيصرية. أحد الأطفال نائم. أحد

الأطفال يبكي. والثالث تم نقله إلى مستشفى، لحاجته إلى المزيد من الرعاية الأكثر تعقيداً من الرعاية التى يقدمها هذا المستشفى الذي يديره

الأم الأولى كانت منهكة للغاية . كانت ترتدي عباءة سوداء مغبرة. الأم الثانية مفعمة بالحيوية. الأم الثالثة هي التي خضعت للعملية القيصرية.

الحقيقية أن ما تقدمه العيادة من رعاية هو بمثابة إشادة حقيقية لصندوق الأمم المتحدة للسكان لتصميمه على تقديم كل ما تحتاجه الأمهات والأسر النازحات نتيجة  الحرب.  وصل الآسى العميق في عيون الأم إلى حيث تنهمر دموعها بينما أجلس قبالتها على سريرها، وعندما وضعت راحة صندوق الأمم المتحدة للسكان. يدي برفق على رأسها، أبقتها مكانها بيدها. 

فيما بعد نزور المركز الآمن للأمهات والأطفال في المخيم التابع لصندوق الأمم المتحدة للسكان وهو يحتوي على مرسم داخل كرفان مليئ بالألوان الزاهية، جدرانه لوحات فنية مدهشة وفي جنباته أكوام من أوراق وكانفاه الرسم.

إحدى اللوحات عبارة عن مجموعة كبيرة من الشخصيات يضيق بهم زورق مزدحم. وراءهم فك مفتوح لسمكة قرش كبيرة. أمامهم مشهد جميل، شاطئ وأشجار، لكن عند الإمعان في اللوحة تجد الشاطئ محاطاً بالأسلاك الشائكة الملتفة بإحكام.

اللوحة رسمتها مجموعة الدعم النفسي والإجتماعي.

 

 آشلي تقف أمام مخيم الأرزق للاجئين. © صندوق الأمم المتحدة للسكان/محمد أبو غوش
 آشلي تقف أمام مخيم الأرزق للاجئين. © صندوق الأمم المتحدة للسكان/محمد أبو غوش
 

أخرج من ستوديو الفن، وأنا محاطة بسرب من الأطفال. ثمة طاقة نابضة في المركز الآمن، والأطفال يتجولون، ويلعبون، ويتجمعون. بعضهم  كانت خدودهم متوهجة من الشمس. 

بعد أن نترك المخيم، نمضي بالسيارة في الطريق الدائري، فجأة، تجري فتاة أمام السيارة، حركاتها هيستيرية. نتوقف. الفتاة تبلغ 15 عاماً.

كانت قد تزوجت منذ شهرٍ واحدٍ، تجرى بعيداً هاربة من حماتها وصهراتها. كانوا يضربونها بينما كان زوجها في الخارج. رأت شاحنتنا وكانت تأمل في المساعدة، فركضت أمامها.

إيمان، العاملة في صندوق الأمم المتحدة للسكان، التي كانت ترافقني في أرجاء المخيم، تأخذها إلى خدمات الحماية في مخيم الأزرق، حيث ساعدتها في إعداد تقرير بحالتها.

ومن هناك، تأخذها إلى المركز الآمن للنساء والفتيات الخاص بصندوق الأمم المتحدة للسكان.